وإذا كان الإيرانيون شديدي الثقة في أنهم سيكونون الأوفق في حسم الصراع مع خصومهم الأميركيين لصالحهم، فإن الأميركيين، من ناحيتهم، يظهرون نوعا من اللامبالاة تجاه ذلك، معتقدين أن الرياح تجري لصالحهم، وما عليهم سوى الجلوس عند حافّة النهر، وانتظار أن تجيء الأمواج بجثث أعدائهم! في مواجهة هذا الصراع المكشوف، يخطط الكاظمي، رجل المخابرات الذكي الذي جعل الطرفين
يتوافقان على دعمه، للإمساك بالعصا من الوسط، مثلما فعل أسلافه، مشيرا في منهاجه الوزاري الذي عرضه على البرلمان إلى اعتماده على "مبدأ التوازن في علاقاته الخارجية.. وعدم الدخول في حيثيات الصراع.. وعدم السماح بتحويل أرضه (العراق) إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية أو الدولية".ويظهر أن نهج الكاظمي "مسك العصا من الوسط" ليس في موضوعة الصراع بين واشنطن وطهران فحسب، وإنما حتى في النظر إلى مشكلات البلاد الداخلية. ومَن يقرأ "المنهاج الوزاري" يكتشف، للوهلة الأولى، أن أمامه نسخة منقحة قليلا عن المناهج التي جاءت بها الحكومات العراقية المتعاقبة بعد الاحتلال، وقد أراد الكاظمي باختصار صفحاته، وغموض مضمونه، أن يجعله "حمّالة أوجه"، حيث تفيد كل فقرة فيه في التعبير عن معنى ونقيضه، كي يكسب رضا ومباركة كل الكتل التي ساندته. ففي دلالةٍ واضحةٍ على استمرار العمل بالصيغة الطائفية والعرقية التي تضمنتها "العملية السياسية"، استخدم الكاظمي، في منهاجه، عبارةً ملغومةً تحدثت عن "احترام التنوع الديني والعرقي والقومي في العراق، وتمثيله في مفاصل الدولة"، محاولا عبر ذلك الابتعاد عن الإشارة الصريحة إلى "المحاصصة الطائفية والعرقية" التي أقرّت عمليا منذ إنشاء "مجلس الحكم" على يد حاكم العراق بعد الاحتلال، بول بريمر، والتي تطوّرت في السنوات اللاحقة إلى لفظة "المكونات"، وها هو الكاظمي يعطيها لفظة "تمثيل التنوع"، متسترا على المعنى الثابت في قلبه، وفي إصرارٍ واضح على عدم الخروج من سكّة المحاصصة الطائفية!وفي النظرة إلى انفلات السلاح، يكتفي الكاظمي بعبارةٍ عائمةٍ أن "لا جهة أو قوة من حقها أن
تكون خارج سياقات الدولة"، فيما تظهر وقائع ما وراء الكواليس أن الكاظمي يسعى إلى إعادة ترتيب أوضاع "الحشد الشعبي"، بحيث يضم كذلك "المليشيات الوقحة"، بتعبير مقتدى الصدر، لتوفير الحماية لها، على أن تقود الحشد شخصية عراقية موالية للحرس الثوري، وهي الصيغة التي اقترحها رجل إيران، محمد كوثراني. وعلى الوتيرة نفسها، يشير الكاظمي إلى عزمه "الإصغاء إلى مطالب حركة الاحتجاج السلمي"، و"تطبيق العدالة بحق المتورّطين بالدم العراقي"، من دون الخوض في التفاصيل.وفي المختصر المفيد، ثمّة إجماع وطني عام عبر عنه المنتفضون الذين قرّروا العودة إلى الساحات، حال زوال الظرف الاستثنائي الذي فرضته جائحة كورونا، وهمٌ لا يرى أملا في عمليات استبدال الوجوه الحاكمة بأخرى غيرها، كلما شعر الحاكمون أن الحيل تضيق بهم، هذا يعني أن العراق مقبلٌ على جملة متغيراتٍ قد لا يستطيع المتابع التنبؤ بها، خصوصا أن أزمة كورونا التي أطبقت على العالم كله، وكذلك تداعيات انهيار أسعار النفط، ولّدت ضغوطا هائلة على مجمل البنيات الاجتماعية والاقتصادية في العالم، والعراق لن يكون في منأىً عنها، وهذا ما يزيد من حدّة أوضاعه ويفاقم مآلاتها.