ويشير المحتسب إلى أنّ إغلاق الاحتلال "الحسبة" أدّى إلى القضاء على حياة عدد كبير من الفلسطينيين، لا سيّما هؤلاء الذين اعتادوا فتح أبواب محلاتهم عند الساعة الثالثة فجراً ليغلقوها عند العصر حين تفرغ من المنتجات". ويتذكّر المحتسب ذلك جيداً، فهو يملك محلاً تجارياً في مقابل الحرم الإبراهيمي على مقربة من "سوق الجملة"، شارحاً أنّ "السوق لطالما كان مكتظاً بالناس ومفعماً بالحياة وكذلك ببساطة أصحاب محاله". يضيف المحتسب أنّه "بعد عملية الإغلاق، اضطر أصحاب المحال إلى نقل تجارتهم إلى خارج البلدة القديمة. آخرون هاجروا إلى خارج فلسطين، فيما توفي كثيرون منهم. لكنّ أحداً منهم لم يتمكّن من الدفاع عن حقه في وجه دولة احتلال متغطرسة".يقع "سوق الجملة" أو "الحسبة" وسط البلدة القديمة، أي القلب الجغرافي والتاريخي لمدينة الخليل. ويحدّ شارع الشهداء السوق من الجنوب والشرق، إذ إنّه يلتفّ على جانبَين، ومن الغرب مداخل البلدة القديمة الثلاثة وهي خان شاهين وحارة العقابة وحارة بني دار، ومن الشمال خان شاهين من جهته الثانية. أمّا سلطات الاحتلال، فتقيم حاجزاً عسكرياً عند مدخل "الحسبة" وتمنع أيّ فلسطيني من الاقتراب. وإذا فعل، إمّا يُطلق جنود الاحتلال النار عليه وإمّا يتعرّض للاعتقال.في سياق متصل، يتذمّر الناشطون في وجه الاستيطان الإسرائيلي في مدينة الخليل من ردود أفعال الجهات الفلسطينية، الرسمية وغير الرسمية، حول إعلان دول الاحتلال تحويل "الحسبة" أو "سوق الجملة" إلى حيّ استيطاني قريباً. فيقول رئيس تجمع المدافعين عن حقوق الإنسان في الخليل عماد أبو شمسية لـ"العربي الجديد" إنّ "على السلطة الفلسطينية، وتحديداً بلدية الخليل، تحمّل المسؤولية بما أنّ أرض سوق الجملة مسجّلة باسم البلدية وملكيّة محال كثيرة تعود إليها"، مضيفاً أنّ "فصائل العمل الوطني تتحمّل كذلك مسؤولية في هذا الإطار، لا سيّما في مواجهة تهويد مدينة الخليل". ويشدّد على أنّ "الاستنكار لا يكفي والجميع يُعَدّ مقصّراً مع الخليل".
ويرى أبو شمسية أنّ "الاحتلال اعتمد على خطة مدروسة للسيطرة على "سوق الجملة"، وقد بدأ الأمر بتثبيت البؤر الاستيطانية ثمّ مصادرة السوق الذي يقع وسط تلك البؤر ويربطها ببعضها البعض. كذلك عمد إلى زيادة عدد الحواجز في البلدة القديمة لتبلغ نحو 20 حاجزاً، أبرزها حاجز أبو الريش والكارنتينا، إلى جانب 11 نقطة تفتيش و41 كتلة إسمنتية وخمس بوابات على طرقات البلدة القديمة، عدا عن عمليات الإغلاق الأخرى التي ترتبط بمناسبات من قبيل الأعياد اليهودية". إذاً الاستيلاء على "الحسبة" يأتي من ضمن منهج احتلالي للسيطرة الكاملة على قلب مدينة الخليل والربط ما بين البؤر الاستيطانية في البلدة القديمة وهي "رامات يشاي" و"بيت هداسا" و"أبراهام أفينو" بالإضافة إلى بؤرتَي "بيت ريمانو" و"بيت الزعتري" و"بيت أبو رجب" اللتَين تمّت السيطرة عليهما في خلال الأعوام الأخيرة لربطهما بمستوطنة "كريات أربع" التي أُنشئت في عام 1969.بالنسبة إلى عبد الرؤوف المحتسب، هو ما زال صامداً في محله التجاري منذ عشرات السنين، لكنّه غير قادر على إخفاء قلقه إزاء الالتهام التدريجي والمخيف للقلب التاريخي لمدينة الخليل. ويقول: "أشعر بوخزة في صدري. لم يتبقَّ شيء في البلدة القديمة... لكنّني سوف أبقى مرابطاً هنا بإذن الله".
https://www.youtube.com/embed/T0XUKASIuUQ" frameborder="0" allowfullscreen="" allow="accelerometer; autoplay; encrypted-media; gyroscope; picture-in-picture